بقلم خالد إمام
خالد إمام هو محامٍ حقوقي ومدافع عن حقوق الإنسان.
اليوم، اتخذت المحكمة الجنائية الدولية قرارًا حازمًا للدفاع عن الأسس التي يقوم عليها نظام روما الأساسي. وعلى العالم الآن أن يكون مستعدًا لحماية المحكمة من الانتقام المتوقع والذي قد يكون واسع النطاق.
بعد أن أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف ضد كبار المسؤولين الإسرائيليين لدورهم في استمرار الاحتلال والنزاع المستمر منذ 76 عامًا، يعتبر هذا اليوم دون شك يومًا تاريخيًا لترسيخ قيم العدالة الدولية والمساءلة. وقد يُخلّد هذا اليوم في التاريخ كإرث لحقوق الإنسان وسيادة القانون إذا التزمت الدول الأعضاء البالغ عددها 124 في المحكمة الجنائية الدولية – ومنها بعض الحلفاء الأقوياء مثل المملكة المتحدة وألمانيا والمجر وكندا وأستراليا – بواجبها القانوني المتمثل في القبض على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت وتسليمهما لتحقيق العدالة.
في 20 مايو، قدم المدعي العام للمحكمة السيد كريم خان طلبات لإصدار مذكرات توقيف لقادة إسرائيليين وقادة من حماس بسبب الجرائم المزعومة التي ارتكبت قبل وبعد أحداث 7 أكتوبر 2024. وفي سبتمبر 2024، قدمت إسرائيل اعتراضًا رسميًا على اختصاص المحكمة، استنادًا إلى المادة 19 (2) من نظام روما الأساسي، مدعية أن المحكمة تفتقر إلى الاختصاص للتحقيق في الوضع القائم في فلسطين عامة وعلى الإسرائيليين تحديدًا.
اليوم، رفضت دائرة ما قبل المحاكمة في المحكمة الجنائية الدولية اعتراضات إسرائيل وأصدرت مذكرات توقيف بحق نتنياهو وغلانت. وأكدت المحكمة وجود “أسباب معقولة” للاعتقاد بأن نتنياهو وغلانت يتحملان المسؤولية الجنائية عن جرائم حرب، بما في ذلك “التجويع كوسيلة من وسائل الحرب”، وجرائم ضد الإنسانية تشمل القتل، والاضطهاد، وتوجيه هجمات متعمدة ضد السكان المدنيين. ومن الواضح أن المحكمة دافعت عن أسس ميثاقها، لكن التحدي الأكبر الآن يكمن في الثمن الذي قد تدفعه نتيجة هذا القرار ومدى قدرتها على مقاومة الردود الانتقامية المتوقعة.
عندما طلب السيد كريم خان إصدار مذكرات التوقيف في مايو، واجهت المحكمة تهديدات قانونية وسيبرانية وسياسية كبيرة من الولايات المتحدة وإسرائيل. وصف الرئيس جو بايدن قرار السيد خان بأنه “شائن”، وهدد العديد من المشرعين الأمريكيين المحكمة بعقوبات. أصدر مجلس النواب الأمريكي قانون H.R.8282/لمواجهة المحكمة غير الشرعية، الذي يهدف إلى فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية.
بالرغم من المعارضة القوية لإدارة بايدن، فإن إدارة ترامب المقبلة قد تنفذ هذا القانون. المحكمة ليست غريبة عن الهجمات على شرعيتها ومسؤوليها. ففي مايو 2024، كشف تحقيق لصحيفة الغارديان ومجلتي +972 وLocal Call الإسرائيلية كيف أن إسرائيل تراقب وتُهدد كبار مسؤولي المحكمة منذ أكثر من عقد. وفي سبتمبر 2020، فرضت إدارة الرئيس ترامب أمرًا تنفيذيًا بفرض عقوبات على مسؤولي المحكمة، بعد طلب المحكمة التحقيق في جرائم حرب في أفغانستان.
مع فوز ترامب بالرئاسة، وتصاعد قوة الجمهوريين في الكونغرس، من المتوقع أن تزيد الضغوط على المحكمة. أبدى أعضاء إدارة ترامب الجديدة رفضهم لقرارات المحكمة وهددوا بفرض عقوبات بمجرد توليه السلطة.
الخاتمة:
هناك فرصة حقيقية لأن تمضي إدارة ترامب قُدمًا في فرض عقوبات تستهدف المحكمة الجنائية الدولية. مثل هذه الخطوة ستقوض المبادئ الأساسية للقانون الدولي وتهدد نزاهة المحكمة الدولية الدائمة الوحيدة التي أُنشئت لتقديم العدالة في مواجهة أخطر الفظائع، بما في ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. إن مثل هذا النهج لن يخون فقط ضحايا هذه الفظائع، بل سيضر أيضًا بمصالح وقيم الولايات المتحدة. فهو يتناقض بشكل مباشر مع هدف مركزي للسياسة الخارجية الأمريكية: تعزيز احترام حقوق الإنسان والديمقراطية.
من خلال تقويض المحكمة الجنائية الدولية، تخاطر الولايات المتحدة بتآكل مصداقيتها كقائد عالمي ملتزم بالعدالة والمساءلة. لذا، يجب على المجتمع الدولي أن يتحرك بسرعة لدعم وحماية المحكمة من أي تبعات قد تترتب على هذا القرار. إن القيام بذلك لن يعيد فقط الثقة في المؤسسات متعددة الأطراف ومؤسسات العدالة، بل سيحافظ عليها أيضًا.
لتحقيق ذلك، يجب على جميع الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية الاتفاق على بيان موحد لدعم المحكمة واستقلاليتها. كما يجب على المجتمع الدولي، بما في ذلك الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والمنظمات الإقليمية متعددة الأطراف والمجتمع المدني، التحرك بشكل عاجل للدفاع عن المحكمة. يتضمن ذلك إجراء حوار مع أعضاء الكونغرس والحكومة الأمريكية لتوضيح مخاطر تقويض استقلال المحكمة.
علاوة على ذلك، يجب أن يضمن المجتمع الدولي توفير الموارد اللازمة للمحكمة ولمن يتعاونون معها، بمن فيهم الضحايا والمحامون والمدافعون عن حقوق الإنسان والمجتمع المدني، لاستكمال التحقيقات وتحقيق العدالة بكفاءة وفعالية وسرعة. كما قال غلادستون: “العدالة المؤجلة هي عدالة مرفوضة.”
عن الكاتب:
خالد إمام هو محامٍ حقوقي ومتخصص في العدالة الجنائية الدولية. يشغل حاليًا منصب زميل البرامج في الشرق الأوسط في مركز كار لسياسات حقوق الإنسان في كلية كينيدي بجامعة هارفارد، ومساعد باحث في مركز آش للحوكمة الديمقراطية والابتكار بجامعة هارفارد. خالد يكتب ويبحث في قضايا العدالة العالمية وسياسات الشرق الأوسط والنزاعات والحكم العالمي.





